فخر الدين الرازي
106
تفسير الرازي
* ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ) * . أما قوله تعالى : * ( فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً * وينقلب إلى أهله مسروراً ) * . فالمعنى فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه * ( فسوف يحاسب حساباً يسيراً ) * وسوف من الله واجب وهو كقول القائل : اتبعني فسوف نجد خيراً ، فإنه لا يريد به الشك ، وإنما يريد ترقيق الكلام . والحساب اليسير هو أن تعرض عليه أعماله ، ويعرف أن الطاعة منها هذه ، والمعصية هذه ، ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لا شدة على صاحبه ولا مناقشة ، ولا يقال له : لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه ولا بالحجة عليه . فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذراً ولا حجة فيفتضح ، ثم إنه عند هذا الحساب اليسير يرجع إلى أهله مسروراً فائزاً بالثواب آمناً من العذاب ، والمراد من أهله أهل الجنة من الحور العين أو من زوجاته وذرياته إذا كانوا مؤمنين ، فدلت هذه الآية على أنه سبحانه أعد له ولأهله في الجنة ما يليق به من الثواب ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم حاسبني حساباً يسيراً ، قلت وما الحساب اليسير ؟ قال : ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاته ، فأما من نوقش في الحساب فقد هلك " وعن عائشة قالت : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نوقش الحساب فقد هلك " فقلت : يا رسول الله إن الله يقول : * ( فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً ) * قال : " ذلك العرض ، ولكن من نوقش الحساب عذب " وفي قوله : يحاسب إشكال لأن المحاسبة تكون بين اثنين ، وليس في القيامة لأحد قبل ربه مطالبة فيحاسبه وجوابه : أن العبد يقول : إلهي فعلت المعصية الفلانية ، فكأن ذلك بين الرب والعبد محاسبة والدليل على أنه تعالى خص الكفار بأنه لا يكلمهم ، فدل ذلك على أنه يكلم المطيعين والعبد يكلمه فكانت المكالمة محاسبة . * ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ) * . أما قوله : * ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) * فللمفسرين فيه وجوه أحدها : قال الكلبي : السبب فيه لأن يمينه مغلولة إلى عنقه ويده اليسرى خلف ظهره وثانيها : قال مجاهد : تخلع يده اليسرى فتجعل من وراء ظهره وثالثها : قال قوم : يتحول وجهه في قفاه ، فيقرأ كتابه كذلك ورابعها : أنه يؤتي كتابه بشماله من وراء ظهره لأنه إذا حاول أخذه بيمينه كالمؤمنين يمنع من ذلك وأوتي من وراء ظهره بشماله فإن قيل أليس أنه قال في سورة الحاقة : * ( وأما من أوتي كتابه بشماله ) * ( الحاقة : 25 ) ولم يذكر الظهر والجواب : من وجهين أحدهما : يحتمل أن يؤتى بشماله وراء ظهره على ما حكيناه عن الكلبي وثانيها : أن يكون بعضهم يعطى بشماله ، وبعضهم من وراء ظهره .